+ A
A -
قبل أن يبدأ الغزاة وجيوش الاحتلال بالدخول إلى أي بلد لا بد من البحث عن أعذار ومبررات يقنعون بها العالم والمجتمع الدولي عن أسباب الإقدام على هذه الخطوة المحرمة والمجرّمة، لما فيها من انتهاك صارخ للسيادة والقانون والاستقلال، وتفضي إلى القتل والنهب والاستغلال..!
فبعض «المحتلين» يعزون الأسباب إلى نشر الديمقراطية والسلام، والبعض الآخر محاربة الميليشيات المسلحة الخارجة على القانون، وآخرون لحماية الأمن في المنطقة إلى آخره من الأسباب التي يبدو بعضها مقبولا ومعقولا وبعضها مكشوفا ومفضوحا..!
وبالنظر إلى المشهد العام في جزيرة سقطرى وما تقوم به إمارة أبوظبي المارقة، فلا يمكن وصفه إلا بأنها محتلة وسارقة!
والعذر الذي ساقته لتقنع العالم بدورها هناك، يؤكد على خبث نواياها، واختلاف أهدافها بين المعلن والمخفي.. فالظاهر للإعلام «المأجور»، أنها تعمّر وتنمّي الأوطان، ولكن الحقيقة هي تنفّذ أجندة الشيطان، بإشعال الفتن بين نسيج المجتمع، وسرقة مقدرات البلاد وآثارها التاريخية النادرة.. وما خفي أعظم!
وهذا يؤكد ما ذكرناه سابقا أن الإمارة الشريرة خانت التحالف الذي دخل اليمن لإعادة الشرعية والمحافظة على سيادة اليمن ووحدته، فذهبت وراء أطماعها واستغلت الأوضاع وانشغال جميع الأطراف بالحرب لتتسلل إلى جنوب اليمن وموانئه وجزره، تنقّب عن آثار، وتبحث عن تحف وأشجار، وتؤسس لموطئ قدم على بوابة تاريخية في خط سير السفن عبر المحيطات والبحار!
تتواجد في مناطق لا أثر فيها، لا حوثي ولا قاعدي، وإنما بها المغريات الاقتصادية والمشهيات الأثرية، والتي يسيل لها لعاب من فقد المبادئ والقيم الإسلامية والعربية.. وتجرأ على احتلال دولة جارة وشعب شقيق.. حتى وإن زعمت أنها قادمة للتنمية والعمران.. فما حدث منها تجاه الصومال الشقيق بعد إن اختلفت معه وقيامها بسحب المعدات والأجهزة الطبية التي سبق وإن تبرعت بها، يؤكد أن ما تقوم به من أعمال خيرية مغلّف من جوانبه الأربعة بأطماع ومصالح شخصية..
وبالتالي تكون أبوظبي أضافت إلى دورها السياسي فشلا أخلاقيا وإنسانيا!
حول هذه القضية الملتهبة استضافت قناة «بي. بي. سي» رئيسة مركز الإمارات للسياسات ابتسام الكتبي، للحديث عن قضية سقطرى، باعتبارها الحدث الأبرز اليوم على صعيد تطورات الأزمة اليمنية المشتعلة. المذيعة سألت الكتبي عن سبب إرسال أبوظبي قوات عسكرية إلى الجزيرة بالتزامن مع تواجد رئيس الوزراء اليمني أحمد عبيد بن دغر وعدد من وزرائه في الجزيرة، فكان ردها: «ما الداعي لأن يذهب رئيس الوزراء اليمني إلى هناك، هو ذهب لوضع حجر أساس لمشاريع عملت عليها الإمارات، والإمارات موجودة من زمان، والمشكلة أن محافظ سقطرى المعين ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الإمارات بأنها إرهابية». وأضافت أن الحكومة اليمنية ليست شرعية.
المذيعة، التي أذهلتها الإجابة، ردت عليها مستغربة ومستنكرة: كيف نسأل رئيس وزراء لماذا قمت بزيارة إحدى مدن بلدك؟.
لمن لم يسمع عن مركز الإمارات للسياسات، فهو أُسِّس في أبوظبي العام 2013 كمركز بحث، يضطلع بمهمّة استشراف مستقبل المنطقة، واتجاهات السياسات الإقليمية والدولية، وتأثير المشاريع الجيوسياسية المختلفة فيها..!.
وهذه هي رئيسة المركز والتي يبدو أن خبرتها ومعرفتها بالأبعاد السياسية والتاريخية للمنطقة لا تتجاوز سوق نايف للعبايات والشيلات في إمارة دبي..!
بهذا المنطق الأهطل تحدثت رئيسة المركز، الذي يتعين أن تهتدي السياسات الإماراتية بدراساته وأبحاثه، ويبدو أن هذا المنطق الأعوج والأعرج هو السائد في الإمارات، بدليل تغريدة قرقاش، والتي تصلح أن تكون مشهدا كوميديا من مسلسل طاش ما طاش، قال فيها: «لنا علاقات تاريخية وأسرية مع سقطرى وأهلها، وفي محنة اليمن التي تسبب فيها الحوثي سندعمهم في استقرارهم وطبابتهم وتعليمهم ومعيشتهم».
عن أي طب وتعليم تتحدث يا وزير تويتر؟
فما تقوله مضحك ومخجل، فهذه أول مرة نسمع فيها أن المدرعات أصبحت وسيلة لمساعدة السكان في معيشتهم وتنمية جزيرتهم، وأن الطائرات العسكرية أداة للعلاج النفسي للشعب، والجنود المدججين بالسلاح معلمون للطلاب في كيفية القراءة والكتابة بالذخيرة الحية!
تقع سقطرى أمام مدينة المكلا شرق خليج عدن، حيث نقطة التقاء المحيط الهندي ببحر العرب، وتبعد حوالي 300 كيلومتر عن أقرب نقطة في الساحل اليمني، و900 كيلومتر عن مدينة عدن، وحوالي 1400 كيلو متر عن مدينة صعدة، حيث يتواجد الحوثيون بشكل أساسي، وهي كانت، ومازالت، في منأى عن الحرب اليمنية، ولم تكن مهددة في أي وقت بدخول الحوثيين إليها، فبينها وبينهم مسافة واسعة شاسعة، فيها جبال ووديان وبحار ومحيطات، وهكذا فإن أي حديث عن تدخل إماراتي لحماية هذا الأرخبيل هو محض هراء وطرح غبي وسخيف!
«أول ما قامت به القوة الإماراتية، هو السيطرة على منافذ مطار سقطرى وإبلاغ جنود الحماية في المطار والأمن القومي والسياسي وموظفي الجمارك والضرائب، بانتهاء مهمتهم حتى إشعار آخر، وقاموا بذات الشيء بعد ذلك في ميناء سقطرى الوحيد.. كما أشار بيان الحكومة اليمنية.
أمام هذا المشهد الواضح في معالمه وملامحه، نحن أمام احتلال «على عينك يا فاجر»، بمرأى ومسمع من قوات التحالف والتي لم تحرّك ساكنا ولا ينتظر منها فزعة أو موقف أخلاقي، فمن يفجر في الخصومة لا تتوقع منه وقفات حميدة، إذ إن صفاته وسماته أصبحت مسمومة، ومن هنا لم يطيقوا وجود القوات القطرية في التحالف، لأنها كانت الضامن الأمين لأهداف الحرب وهي إعادة الشرعية والمحافظة على سلامة أراضيه ومواطنيه، فعملوا على إبعادها من المشهد حتى يكملوا مؤامرتهم التي تنتهك السيادة الوطنية للأراضي اليمنية المسالمة والتي تعتبر خارج نطاق النزاع، وفيها استهتار بالقوانين والأعراف الدولية، ولأن الحكومة اليمنية تحت الإقامة الجبرية، فقد استجارت بالسعودية التي تقود التحالف لتحرير اليمن وإنقاذه من التفتيت، فكانت كالمستجير من الرمضاء بالنار، ويبدو أن ما يتردد عن تقاسم اليمن لم يكن مجرد أقاويل وافتراءات. وتشير تقارير إلى أن أبو ظبي أقنعت الرياض بخيار الاتجاه إلى تقسيم البلد وفك ارتباط الجنوب عن الشمال، بدعوى استحالة فرض السيطرة على جميع المحاور والجبهات، ومن ثم تقاسم النفوذ، لتتكفل السعودية بالمناطق الشمالية بحكم تأثيرها الحيوي على أمنها، في حين تفرض الإمارات السيطرة على الجنوب وتواصل أحلامها بتحويله إلى إمارة ثامنة تمكّنها، بفضل موقعه الاستراتيجي وغناه بمصادر الطاقة وبنيته التحتية، من الصعود، وتقديم نفسها كقوة إقليمية مؤثرة مستغلة كون السعودية الجديدة في «غيبوبة» تامة.. إذ إن كل ما يهمها حاليا هو تعديل المناهج وقيادة المرأة وإقامة مهرجانات غنائية وعرض أفلام سينمائية ومهرجان للمصارعة الحرة برعاية هيئتي الترفيه والرياضة وبدعم من «شيخ الذبان» في تويتر وزميله المصارع المتقاعد توتو وناسة!
احتلال سقطرى بهذا الشكل الفج والوقح، جاء في أعقاب طرد الإمارات وممثلها شركة «دبي العالمية للموانئ» من جيبوتي وأرض الصومال، بعد أن اكتشف البلدان أن محرك الإمارات في كل ذلك نوايا استعمارية خبيثة، هدفها السيطرة والتمكن واستنزاف ثروات هاتين الدولتين.
يبدو أن شهية أبو ظبي لأراضي وجزر الآخرين ليس لها حدود، وهكذا وجدت ضالتها في سقطرى، فأنزلت قواتها وطردت موظفي مينائها ومطارها، على أمل أن تكون نقطة انطلاق مستقبلية تتيح لها المضي قدما في مخططها الخبيث، دون أن تدرك أن تلك الدول التي تحاول أن تتحرك في محيطها وتفرض عليها سطوتها وسلطانها هي دول راسخة تتمتع بتاريخ حافل ومشرّف وتوصف بأنها مقبرة الغزاة والمعتدين.
عقدة الإمارات التاريخية أنها «بلا تاريخ».. فهي تشعر بالنقص من حداثة عهدها وضآلة أمجادها وضحالة إنجازاتها، فهي حتى عام 1971 كانت تسمّى «ساحل عمان» كجزء من الإقليم الذي عرف تاريخياً باسم «عمان»، ويا ليتها تعلمت الأخلاق العمانية الأصيلة بعد انفصالها واستقلالها قبل 47 سنة فقط.. أي إن نادي الخور في قطر أقدم وأعرق من دولة الإمارات!
يبدو أنها عقدة، البحث عن تاريخ، وتواكبت مع عقلية القرصنة، هكذا يمكن تفسير ما يحدث في سقطرى، وتفسير استماتة الإمارات لفرض هيمنتها على كل دولة عربية محورية صاحبة تاريخ، مثل مصر وليبيا واليمن قبل أن تطرد من الصومال وجيبوتي، اعتقادا منها أن بناء فرع لمتحف اللوفر، وعرض مقتنيات منهوبة من حضارات الآخرين فيه، كفيل بتغيير تاريخها وعمرها، كما لا يكفي أن تسرق أشجارا معمرة ونادرة من جزيرة سقطرى للادعاء بأنها دولة لها جذور، فبريطانيا احتلت جنوب اليمن، 128 عاما، ولم تفكر بسرقة ونهب شجرة واحدة.
التاريخ لا يكتب عبر قطعة فرعونية أو اكتشاف الكابتشينو أو أصل عنتر بن شداد.. حتى لو ظهرت له صورة بالكندوره ويرقص العيّالة.. ومكتوب تحتها تعليق:
زايد موصينا عليك يالعبسي!
التاريخ المجيد يكتبه الخيرون الصادقون وليس المعتدين والطامعين، وسقطرى أسقطت الأقنعة، فلا حوثي فيها يمكن محاربته، ولا إسلامي يجب مقارعته، بل مجرد أرخبيل هادئ سعيد، كما كان اليمن كله سعيدا، دون وزيرة للسعادة، قبل أن يدخل «الأشقاء» الأشقياء في دوامته وينزعون ابتسامته.
التنمية لا تصنعها المدرعات، والصحة لا تبنيها الطائرات، والتعليم لا يقوم بالرشاشات، والعلاقات المزدهرة لا تصنعها الأطماع الظبيانية والمخططات الصبيانية، والإمارات في نهاية الأمر مجرد جندي أو بيدق على رقعة الشطرنج، وهذا الحجر أضعف قطعة في اللعبة، حيث يتحرك مربعا واحدا في اتجاه واحد إلى الأمام، ولا يستطيع الرجوع إلى الخلف، خلافا لباقي القطع، ويبدو أن أبو ظبي لم تمعن النظر في قدراتها وإمكانياتها قبل أن تطلق بيادقها باتجاه سقطرى، ولو أنها فعلت ما كانت ارتكبت هذا الخطأ الاستراتيجي، فاليمن تحديدا لقمة كبيرة لن يكون في مقدورها ابتلاعها، ورقعة الشطرنج بأسرها أكبر من أن تكون لاعبا فيها، ولو أنها قرأت التاريخ ما تجرأت على محاولة إحياء الحركات الاستعمارية التي أكل الزمان عليها وشرب، وفي كل الأحوال، فإن الأقربين أولى بالمعروف، وهناك ثلاث جزر إماراتية ليست تحت سلطتهم ولا تستطيع إدخال «قطو» إليها، وهي التي أشبعتها الجامعة العربية ومجلس التعاون بيانات استنكار وشجب..
هناك «راوونا شجاعتكم»، وسمّعونا «نِحن لها»!!

بقلم:محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول
copy short url   نسخ
08/05/2018
6361