كتاب وأراء

قراءة من زوايا أخرى في أحداث «خليجي 24»

هكذا انطلقت «دورة الخليج» .. في «درة الخليج»

هكذا انطلقت «دورة الخليج» .. في «درة الخليج»

أحمد علي
مثلما تتدحرج كرة القدم، بين أقدام اللاعبين...
تدحرجت الأيام، ودارت دورتها، كالساعة المصنوعة من النحاس الأصفر، التي أهداها الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد عام 807م، إلى الملك «شارلمان»، امبراطور «الفرنجة»، في ذلك الزمان.
.. وها هي «دورة الخليج» لكرة القدم، تدور مثل تلك الساعة البغدادية الشهيرة، المتحركة بالقوة المائية، وها هي مبارياتها تواصل دورانها بالطاقة الكروية، من عاصمة خليجية إلى أخرى، وها هي فعاليات البطولة العريقة العتيقة، تواصل حراكها مجددا، بعد انطلاق نسختها الرابعة والعشرين، المقامة حاليا في «درة الخليج».
هنا في قطر، التي اعتادت على تنظيم البطولات الناجحة، واستضافة الفعاليات الرياضية الجامعة، التي تجمع الرياضيين والإداريين والمشجعين، انطلقت مباريات (خليجي 24)، وسط الأجواء القطرية المرحبة، والمربحة، والمرحة لجميع المشاركين، لتساهم في تقريب المسافات، بعيدا عن الحساسيات، أو تصفية الحسابات، التي أحدثتها التوترات السياسية.
.. ومــا من شـك في أن البطولات الرياضية، التي تنظمـها قطـر، تمثل نموذجــا فريدا، من نماذج القوة القطرية الناعمة، والداعمة التي تملكها الدوحة، مما ساهم ويساهم في تعزيز مكانتها بين الأمم، والتي يعكسها أيضا تفوق منتخبها «الأدعم».
.. ويثبت نجاح قطر، في استضافة أعرق البطولات الإقليمية في المنطقة، وأقدمها، وأشهرها، وأقصد «دورة الخليج»، بمشاركة جميع منتخباتها الثمانية، أن البطولة الخليجية التي تدور منافساتها، حول قطعة الجلد المنفوخة، التي يسمونها كرة القدم، تحمل في نسختها الرابعة والعشرين، أبعادا تتجاوز إطارها الرياضي.
.. ولن أكون مبالغا، أو مغاليا، إذا قلت إن بطولة «خليجي 24»، تشكل رسالة مكتوبة بالحبر «الأدعم»، موجهة من القطريين لشعوب المنطقة، بأنه مهما واجهت قطر أصعب التحديات، فإن ذلك لن يمنعها من التحليق باتجاه الغد، وتجاوز العقبات.
.. وأستطيع القول - بكل ثقة - إن «دورة الخليج» في نسختها الحالية، هي الدورة الرياضية الوحيدة، التي حسمت بطولتها قبل أن تبدأ، والنتيجة النهائية هي فوز قطر بكل المكاسب، بعد نجاحها في احتضان شباب الخليج، رغم الظروف الراهنة.
.. وتشكل المشاركة الخليجية الجماعية، في النسخة القطرية، اعترافا خليجيا جامعا، بأن قطر تملك البيئة المثالية، رياضيا وسياسيا وجماهيريا، لاحتضان البطولات الناجحة، بعيدا عن حملات التشكيك التي طالتها، وحفلات التشويه التي استهدفتها.
.. وتعطــي تلك المشاركة الواسـعة، بالمنتخبــات الثمـــانيــة، المنطوية تحت مظلة «اتحاد كأس الخليج العربي لكرة القدم»، دليلا واضحا، وتقدم برهانا ساطعا، بأن قطر غدت منصة جامعة للشباب الخليجي، ووجهة عالمية جاذبة للرياضة على الصعيد الدولي.
.. وهذا ليس غريبا على قطر، التي تواصل استعدادها على قدم وساق، لاستضافة «مونديال 2022»، ممـــا جعلــهــا تحتل الصدارة في المنطقة، في مجال تنــظـيم البطــولات العالـميــة، وفقا لأرقى معايير الاستضافة، بشكل حضاري، يعكس حسن استقبال القطريين لضيوفهم.
.. ولا أضيف جديدا عندما أقول، إن نجاح «درة الخليج»، في استضافة «دورة الخليج»، في هذه اللحظة التاريخية، بالغة التعقيد والحساسية، يؤكد حضور قطر وتحضرها في إقليمها الخليجي، ويرسخ مكانها ومكانتها في المنطقة، كدولة خليجية تجمع ولا تفرق، وتساهم في توحيد الصفوف، في إطار ترحيبها الحار بالضيوف، تحت شعارها المعروف «أهلا بالجميع، في دوحة الجميع».
.. وفي سياق كل ما قيل ويقال عن «دورة الخليج»، في نسختها القطرية الحالية، بأنها ربما تساهم في تنقية الأجواء المتوترة في المنطقة، لا بد من الوقوف عند البرقية الأخوية الودية، التي بعثها سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت الشقيقة، إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، معبرا فيها عن بالغ اعتزازه وسروره وسعادته، بالتجمع الرياضي الأخوي، الذي جمع الأشقاء المشاركين في دورة كأس الخليج العربي الرابعة والعشرين لكرة القدم، التي تستضيفها قطر.
.. ولا أنسى إشارة «حكيم الخليج» صباح الأحمد - حفظه الله - في برقيته إلى أن هذا التجمع الأخوي، يمثل إحدى الخطوات المنشودة، نحو الطريق الصحيح، لإعادة اللحمة الخليجية، لسابق عهدها، وتعزيز وشائج وأواصر الأخوة، واستعادة الترابط والتقارب بين شعوب ودول مجلس التعاون، لاستكمال مسيرته المتعثرة، والحفاظ على مكتسباته المبعثرة.
.. ولعل من أبرز المكاسب الواردة في برقية أمير الكويت، إعراب سموه، عن خالص تهانيه بنجاح افتتاح دورة الخليج، مقدرا الإمكانات الكبيرة، والمتميزة، والعالية، التي وفرتها قطر، لهذا الحدث الخليجي الرياضي، مما يعكس الوجه الحضاري المرموق لدولتنا، وما وصلت إليه من نهضة وتنمية شاملة، في ظل قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
.. وما من شك في أن دعم قيادتنا الرشيدة السخي، واهتمامها الكبير، برفد مسيرة الرياضة القطرية، بالمزيد من النجاحات، جعل دولتنا الحبيبة، تشتهر بتنظيم البطولات الرياضية الناجحة، في ظل الإمكانات اللوجستية الكبيرة التي توفرها، والقدرات الإدارية التي تتمتع بها، والكفاءات الوطنية التي تزخر بها، مما يمثل رافدا مهما، من روافد ترسيخ الصورة الناصعة، لدولتنا قطر إداريا وتنظيميا.
.. وهذا يدفعني إلى توجيه التحية - كل التحية - إلى الأخ والصديق، الإداري القطري الناجح سعادة الشيخ حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني رئيس الاتحاد القطري لكرة القدم، واتحاد كأس الخليج العربي، لدوره الكبير في إنجاح (خليجي 24).
.. والتحية موصولة إلى أعضاء الاتحاد جميعا، الذين بذلوا جهدا مضاعفا، لضمان مشاركة الأشقاء جميعهم، في البطولة الخليجية، التي لم تنقطع مسيرتها أبدا على مدى الخمسة عقود الماضية، رغم كل العوائق التي واجهتها، والعقبات التي اعترضتها، لتبقى «دورة الخليج»، دوما، أكثر البطولات جذبا، وأكثر الفعاليات الرياضية جمالا في المنطقة.
.. وتبقى دوما إحدى الوسائل الناجحة، لتعزيز أواصر المحبة بين شعوب الخليج، أكرر بين شعوب الإقليم الخليجي، رغم الظروف الضاغطة التي تمر بها المنطقة.
.. وانطلاقا من هذه الحقيقة، انطلقت المباراة الافتتاحية، لبطولة الخليج، بين المنتخبين الشقيقين القطري والعراقي، بحضور الشخصية الرمزية، المسماة «صديفي»، التي تعكس من خلال رمزيتها ماضي قطر، ممثلا في حياة البحر، وأصدافه، عبر رحلة البحث عن اللؤلؤ، في أعماق البحار، وهي المهنة التقليدية التي عرفها القطريون، وسائر أشقائهم الساكنين على سواحل الخليج.
.. ومع انطلاقة المباراة الافتتاحية، للبطولة الخليجية، لم يكن المنتخب العراقي، يتوقع ذلك النمط السريع، من الحراك الهجومي القطري، المتواصل والمتسلسل، خلال الربع الأول من المباراة، لدرجة أن منتخبنا فرض «حظر التجوال» على العراقيين!
لكن منتخبنا «الأدعم»، لم يدعم تفوقه الميداني، بإحراز هدف السبق، بعدما أهدر العديد من الفرص السهلة، مما أدى إلى تعقيد موقفه!
.. ومثلــما هــي الأحداث متغــيرة في العــراق، وفقا لإيقــــاع التظـاهــرات الشــعبيــة، التـــي أجبرت رئيس الوزراء العراقي على تقديم استقالته، فقد تغيرت مجريات المباراة، وانقلبت أحداثها رأسا على عقب، وخصوصا بعد نجاح المنتخب العراقي في تسجيل هدفه الأول، عندما أرسل اللاعب الصاعد الواعد «محمد قاسم» كرة عالية، ربما كان ينوي إرسالها إلى «المنطقة الخضراء»، في بغداد، لتحية المتظاهرين هناك، لكنها ارتطمت بالأرض، وواصلت طريقها داخل المرمى القطري، محرزا هدف التقدم لفريقه، وسط دهشة الجميع، وأولهم صاحب التسديدة!
.. وبينما كانت الأنظار شاخصة نحو «الحراك الشعبي» في العراق، أعاد «محمد قاسم» إحياء «ملحمة جلجامش»، في استاد خليفة المونديالي، عندما أطلق «رمحا أشوريا»، استقر في الشباك القطرية، دوى صداه ومداه في «بلاد الرافدين»، هناك على ضفاف نهري دجلة والفرات، حيث يرقد الملك الأشوري «آشوربانيبال»، في تلك البقعة العتيقة التي تحكي بشكل أسطوري حقبة من تاريخ العراق وحضارته.
.. ولأن العراق، أرض الأساطير الشعبية، التي ما زالت تلقي بظلالها على عصرنا الحديث، فقد كان الظهور الأول لصاحب الهدفين العراقيين، في افتتاح (خليجي 24) «أسطوريا»، بعدما سطر اسمه في قائمة نجوم الكرة العراقية، المتألقين في دورات الخليج.
.. ورغم أن المجال لا يتسع لذكرهم، لكنني سأذكر على سبيل المثال بعضهم، وأخص منهم فلاح حسن وعلي كاظم وحسين سعيد وأحمد راضي، ويونس محمود وغيرهم.
.. وهذا يؤكد أن عناصر الحضارة الكروية العراقية، لا حصر لها، من أولئك «الأساطير»، الذين كانت لهم صولاتهم وجولاتهم وبطولاتهم وإنجازاتهم في الملاعب.
.. وما من شك، في أن قصة «بلاد الرافدين»، مع الأساطير طويلة للغاية، حيث كل مشهد من مشاهد هذه البلاد العريقة، تقف وراءه أسطورة شهيرة، زادها الماضي ألقا، والحاضر تألقا، والتاريخ وهجا، وكرة القدم سحرا، و«دورات الخليج» بريقا.
.. ولهذا ليس غريبا، أن تقدم الكرة العراقية نجوما، يسطعون في «دورة الخليج» الحالية، يتحدث الناس عن مواهبهم اللافتة، بعدما غمرتهم الأضواء المستديمة، مثل أبطال الأساطير السومرية، من بينهم اللاعب المهاري «محمد قاسم»، وزميله «علاء عباس»، وزميلهما «علاء الزهرة»، الذين يعكسون في تألقهم ما يملكه العراق من مخزون كروي، يضاهي ما تملكه أعرق الأمم، وربما يتجاوزها!
.. وانطلاقا من حرص منتخبنا، على كشف أسرار تلك الحضارة الكروية العراقية، وإعادة قراءتها، سعى خلال الشوط الثاني من مباراته مع العراق، لتطبيق الاستراتيجية القانونية، التي استند عليها قانون «حمورابي»، وهي مجموعة الشرائع البابلية، التي أصدرها سادس ملوك بابل عام 1790ق.م، وتنص على مبدأ «العين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم».
.. وعلى أساس هذه القاعدة، سعى منتخبنا «الأدعم» لتقليص الفارق مع المنتخب العراقي، كخطوة للعودة من الوراء، إلى أجواء المباراة، ونجح في إحراز هدفه اليتيم، من أول لمسة للاعب البديل عبدالعزيز حاتم.
.. واستمر الحراك الهجومي القطري، متواصلا بلا فاعلية، بعدما فرض الدفاع العراقي، إجراءات أمنية مشددة على مرماه، معتمدا على تكتيك «الاعتصامات» أمام المرمى، لتنتهي المباراة بخسارة قطر، أمام العراق بهدف مقابل هدفين.
.. وبعدها، واصل المنتخب العراقي طريقه نحو الهدف، محققا انتصاره الثاني في البطولة، متخطيا الإمارات، بالهدفين اللذين أحرزهما علاء عباس، وعلاء الزهرة، رغم إضاعة ضربة جزاء، سددها لاعبهم «علي عدنان» بطريقة فاترة وليست ثائرة، وكأن اللاعب لا يرغب في الإفراط في استخدام القوة!
.. وهكذا اعتلى العراقيون، صدارة مجموعتهم برصيد «6 نقاط»، وهم يصعدون إلى القمة، مباراة تلو أخرى، عبر سلالم منارة «سامراء» الملتوية، التي صممت وكأنها تدور من الأسفل إلى الأعلى، بعكس عقارب الساعة، حيث تم بناؤها على شكل إسطواني، لم يسبق له مثيل، فأصبحت إرثا باقيا، من معالم الحضارة المعمارية العباسية، رغم تعرضها للإهمال!
.. وما من شك، في أن الانتصارين اللذين حققهما «أسود الرافدين» على قطر والإمارات، ساهما في توحيد العراقيين بجميع مكوناتهم ومواقفهم السياسية، رغم اختلافهم على أشياء كثيرة!
.. والمفارقة أن كرة القدم، نجحت في تحقيق ما عجزت الطبقة السياسية عن تحقيقه، بكل أطيافها، للشعب العراقي.
لكن ما يثير الدهشة، أن العراقيين رغم اختلافهم في الشأن السياسي، ولا أقول خلافهم، يتفقون جميعا على القيمة الغذائية العالية، المتوفرة في «الباجة»، تلك الوجبة الشعبية، المرتبطة بالشخصية العراقية، التي تمتاز بالكثير من السعرات الحرارية، ولهذا زاد الطلب عليها خلال متابعة مباريات «خليجي 24»، فيما كانت شوارع العراق تكتظ بالمتظاهرين، الذين رفعوا سقف مطالبهم، مطالبين بضرورة الفوز بالبطولة الخليجية!
.. ولأن ذلك المطلب الجماهيري العراقي، يتقاطع مع أولويات المنتخب القطري، الساعي للفوز بكأس الخليج العربي، فقد سعى «الأدعم» لتجاوز كبوته في مباراة الافتتاح.
.. ولهذا دخل مباراته مع اليمن، وهو يدرك جيدا أنه لا يوجد سوى حل واحد، لتسوية «المعضلة اليمنية»، وهو تحقيق الفوز، وعدا ذلك، فإن جميع الحلول الأخرى، تشكل تهديدا وجوديا، لمستقبل الفريق في البطولة!
أما المنتخب اليمني، فقد كان يبحث عن نهاية لمعاناته، عبر التخفيف من حدتها، أو الحد من توسعها، أو العمل على عدم زيادتها، مع إظهار حرصه على منع تمزيق نسيجه الكروي، الذي تعرض للعديد من الثقوب، بعد الخسارة الثلاثية أمام منتخب الإمارات.
.. ولهذا حرص حارسهم «سالم عوض» على ارتداء «الجنبية»، وهي الخنجر اليمني الأشهر، المعروف بغمده المعقوف الأخضر، في محاولة تراثية، ولا أقول كروية، لوقف «التدهور الأمني» في محيط مرماهم، بما يعيد للمرمى أمنه واستقراره!
.. وفي خط الهجوم، المرصع بالنجوم، سعى اللاعب اليماني الموهوب أحمد عبدالحكيم السروري، لاستعراض موهبته الكروية، فأطلق في الدقيقة الخامسة من المباراة «طائرة مسيرة»، باتجاه المرمى القطري، ليثبت أن الوضعية الحرجة، التي يمر بها منتخب بلاده، لا تعني خوضه البطولة مستسلما، وإنما سيحاول أن يقدم شيئا لإثبات وجوده، وإبراز جهوده، تعبيرا عن الكبرياء، الذي تشتهر به بلاده.
وهكذا، دخل اليمنيون مباراتهم مع قطر، وهم يتوقون لإيجاد مخرج من أزمتهم الكروية، ولا أقول الإنسانية!
أما منتخب قطر، فقد كان حريصا كعهده دائما، على إثبات «شرعيته» في المنافسة المشروعة على كأس الخليج، كخطوة لا بد منها، لتحقيق حلمه المشروع، المتمثل في سعيه للفوز بالبطولة، للمرة الرابعة في تاريخه.
.. ولأن «الشرعية» كانت من ركائز خطة المنتخب القطري، لتجاوز «العقبة اليمنية»، فقد دافع «الأدعم» عن شرعية طموحه المشروعة، بكل الوسائل الكروية المشروعة!
.. ولهذا حرص منتخب قطر على تفكيك دفاعات المنتخب اليمني، التي تحولت إلى شوارع فسيحة، لا تقل في اتساعها عن شارع «الستين» أو ميدان «السبعين» في صنعاء!
.. ولأنه «لا بد من صنعاء وإن طال السفر»، كما يقول شاعرها الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح، حيث تاريخ العرب العاربة، ابتدأ شهقته الأولى عند بابها العتيق، فقد نجح القطري المتألق «عبدالكريم حسن»، في اختراق الدفاع اليمني، عبر الولوج من «باب اليمن»، متجاوزا الأزقة الضيقة، والحواري العتيقة، محرزا الهدف الأول لفريقه، بلمسة سحرية ساحرة، لا مثيل لها، من أيام «هاروت» و«ماروت»، اللذين كانا يعلمان الناس السحر!
ثم توالت الأهداف القطرية الواحد تلو الآخر، بعدما واصل «عبدالكريم حسن» سحره الكروي، بإحراز هدفه الثاني، المتفجر المدمر، كأنه أطلقه من منظومة الصواريخ (إس 400)، التي تعتبر من أفضل أنظمة الدفاع الجوي في العالم، وتتسابق الكثير من الدول في الحصول عليها.
.. وبينما كان «سانشيز» مدرب «الأدعم» يفرك يديه فرحا، وهو يرى فريقه يصول ويجول في المباراة، أثبت «عبدالكريم حسن» جدارة فوزه بلقب أفضل لاعب في آسيا، مؤكدا أنه ليس مجرد لاعب متألق في المنتخب القطري فحسب، بل هو أداة استراتيجية فعالة، يعرف المنافسون قوتها وقيمتها الكروية.
.. وفي الشوط الثاني، أضاف «المعز علي» هداف القارة الآسيوية، الهدف الثالث بتسديدة رائعة، وكأنه يقول للمراقبين «نحن هنا»!
.. ولأن «عبدالكريم» أراد أن يثبت أنه «كريم» في عطائه الكروي، فقد أكمل ثلاثيته، بإحراز الهدف الرابع لفريقه من ضربة جزاء. ثم جاء دور اللاعب البديل «عبدالله الأحرق»، الذي أحرز هدفا حارقا، بعد إطلاقه تسديدة حارقة، أحرقت شباك المرمى اليمني.
.. ورغم الخماسية القطرية، كان المطرب اليماني المحبوب «حسين محب» مجتمعا في المدرجات، مع نخبة من نجوم الغناء اليمني، منهم «منتاب الشريجة»، و«صلاح الأخفش»، و«يوسف البدجي»، و«يحيى عنبة»، و«حمود السمة»، و«محفوظ البحري»، و«فضل الحمامي»، يشجعون منتخبهم بحماس وإحساس، عبر تسابقهم في أداء أغنية «يا كحيل الرنا»، التي يتجاوز عمر كلماتها القديمة، أكثر من (400) عام تقريبا، وتعتبر واحدة من روائع الشاعر محمد بن عبدالله ابن الإمام شرف الدين يحيى الكوكباني، رائد الشعر «الحميني» في اليمن، المولود عام 1524، في قرية «كوكبان»، ويقول في كلماتها:
«يا كحيل الرنا ماذا الورش.. من نقش بالذهب خدك ورش»
«من جلا بالحلا حسنك ومن.. علمك ذا المجانه والشوش»
«شا أخاطر بنفسي والثمه.. وإن نهشني حلش جيدك نهش»
«خفت إن اجتني زهرة وفي.. كل جانب ذوابه كالحنش»
.. وقبل أن يكمل المطرب المحبوب «حسين محب» الأغنية، متلاعبا بأنامله، على أوتار عوده «الصنعاني»، تلقي المنتخب اليمني، لدغة «الحنش»، عندما أحرز المنتخب القطري هدفه السادس، عن طريق اللاعب المتألق «أكرم عفيف»، ليضرب «الأدعم» موعدا حاسما مع الإمارات، في مباراتهما المرتقبة غدا، في حين تتواصل «المأساة اليمنية»، كرويا وسياسيا، وتثبت أن اليمن لم يعد سعيدا، كما كان يشتهر منذ أيام «بلقيس»، بل بات حزينا!
.. والمحزن حقا، أن كل يمني أصبح طرفا في قصة حزينة، لكن القصة الأكبر، بل الأكثر حزنا، هي التي يشترك في تفاصيلها اليمنيون جميعا، وأعني قصتهم الموجعة، التي بدأت فصولها المأساوية منذ سنوات، ولم تجد لها نهاية سعيدة حتى الآن!

أحمد علي