الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  تظاهرات لبنان تخترق جدار الطوائف

تظاهرات لبنان تخترق جدار الطوائف

كمال عبد اللطيف أكاديمي وكاتب مغربي
لم يكن أحد يعرف لا بداية ولا نهاية الحدث الثوري الذي انطلق في تونس نهاية سنة 2010، كما أنه لا أحد يعرف اليوم متى سيتوقف مسلسل الانتفاضات الشعبية التي تحصل بين حين وآخر في بعض الأقطار العربية، وها هي اليوم تَعُمُّ العراق ولبنان.. وفي مختلف صور الحراك الشعبي، نتبيَّن صعوبات التكهن بالأحداث والنتائج التي أسفرت عنها، فقد اتخذ الحراك الشعبي مساراتٍ متعدّدة، وذلك تحت تأثير عوامل ذات صلة مباشرة بالبنيات السياسية المحلية، وذات صلةٍ أيضاً بالمحيطين، الإقليمي والدولي.. صحيحٌ أن هناك من يعتبر أن الحراك الشعبي الذي حصل في مختلف البلدان العربية كان نتيجة مؤامرة مدبَّرة، إلا أن من يقول هذا يُغْفِل أن المؤامرات في التاريخ لا تظل في ملكية من يدبِّرُها عند انطلاقها، بل تتحوّل إلى أحداث بمواصفاتٍ أخرى، تتجاوز ترتيبات التدبير الأول، لتصنع مساراتها الخاصة في تفاعلٍ مع شروطها والشروط المحيطة بها.
لا نتردّد في النظر إلى ما يقع منذ أزيد من أسبوعين في المدن اللبنانية باعتباره جزءاً مُتَمِّماً لمعارك الاحتجاج التي نشأت وتنشأ منذ سنوات داخل المجتمعات العربية. وهو يتميز ببلورته شعاراتٍ تتوخّى تفكيك البنية الطائفية لنظامه السياسي، وهي البِنية التي شكَّلت، منذ أربعينيات القرن الماضي، قَيْداً من القيود التي لا يقبل أحد تجاوزها، حيث يواصل زعماء الطوائف الإيمان بجبروتهم وجبروت من يحتمون به من القِوى الإقليمية ومن الغرب، معتقدين بخلود النظام القائم ودوام امتيازاته.
تُقْرَأُ انتفاضة الشارع اللبناني في إطار تواصل حراك المجتمعات العربية المناهض للاستبداد والفساد، وهي تعبر، في الحالة اللبنانية، عن موقف اللبنانيين اليوم من مجمل الأوضاع السائدة في مجتمعهم. وإذا كنا نعرف أن لبنان يرث تركة استعمارية ثقيلة، عملت نخبه السياسية المتعاقبة خلال القرن الماضي على منحها، في البداية، شرعية عرفية، ثم حولتها إلى عهود ومواثيق في سياق تحولات التاريخ، وفي ارتباط مع مقتضيات الشروط الإقليمية الخاصة، والمتمثلة أساساً في الصراعات المذهبية التي تعصف اليوم بكثير من بلدان المشرق العربي، فأصبحت، في ضوء ما ذكرنا، سجينة نظام سياسي يتوارث فيه قادة الطوائف والنفوذ والجاه وينقلونه للأحفاد.
وقد ساهمت توافقات الحرب الأهلية التي عرفها المجتمع اللبناني، في نهاية القرن الماضي، في مزيد من ترسيخ الطائفية وثقافتها في الوعي السياسي اللبناني.
تتجه شعارات الحراك نحو إسقاط النظام برمته، وهي تتخذ طابعاً مدنياً مخترقاً للطوائف، إنها ثورة على النخبة السياسية السائدة. وإذا كنا نسلِّم بأن لبنان يُعَدُّ موطناً لثقافة النهضة العربية، حيث ساهمت نخبه، منذ قرنين، في توطين ثقافة الحداثة والتحديث في الفكر العربي المعاصر، فإن ما يترتب عن ذلك أن المجتمع اللبناني مؤهلٌ لبناء مجتمعٍ يرعى قيم الأزمنة الحديثة في السياسة والثقافة..
ينظر المتظاهرون إلى واقع الحال في مجتمعهم باعتباره تعبيراً واضحاً عن أشكال الخلل الاجتماعي والسياسي التي يستوعبها النظام الطائفي، وهم يرفضون سياساته التي أنتجت الفقر والتهميش والبطالة، ووهبت زعماء الطوائف كل ما يسمح لهم بنهب ثروات المجتمع.
يلتقي الشباب في الساحات العمومية في بيروت وصُور وبعلبك وطرابلس. يلتقون خارج سقف الطوائف، ويصطفون مع بعضهم في إطار المعاناة التي ترتبط بمآلهم الاجتماعي. يصطفون للتنديد بالمخاطر التي أنتجها النظام الطائفي الذي لا يعير أدنى اهتمام لدرجات الانهيار التي تعم المجتمع، وهم يعتبرون تجاوزهم الحرب الأهلية الطائفية لم يكن مناسبة لدفن دولة الطوائف وبناء بديلها المدني والديمقراطي، بل إنه عزّز وجودها بسلاح الحرب ومليشيات الطوائف، وتَمَّ ترسيخ كل ما جرى تحت عنوان «الخصوصية اللبنانية».
تهدف انتفاضة اللبنانيين إلى إعادة بناء النظام السياسي اللبناني، خارج حسابات الطائفية وتوابعها، فقد أصبح واضحا اليوم أن أخويات الطوائف لم تنتج الاستقرار والأمن والتنمية، بل ساهمت في مختلف مظاهر القهر التي تعم المجتمع اللبناني، بمختلف مكوِّناته.
{ عن (العربي الجديد)

الصفحات

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below